منتديات كل العرب

lundi 4 avril 2011

جوانب من مساهمة القوات المسلحة الملكية في تحقيق الوحدة الترابية للمغرب

جوانب من مساهمة القوات المسلحة الملكية في تحقيق الوحدة الترابية للمغرب



الوحدة والأمن والاستقرار : مطالب سامية لملوك المغرب ما بعد الاستقلال

تميز القرن الماضي بأحداث طبعت تاريخ المغرب الحديث، وشكلت بالتالي مرحلة مميزة طغت عليها روح الكفاح والوحدة بين جميع مكونات المجتمع المغربي؛ منذ أن فرض عقد الحماية على البلاد في مارس 1912، إلى تحقيق الاستقلال 18 نونبر 1955، وأبان التلاحم عن تعلق متين بالثوابت والمقدسات السامية التي دافع عنها الشعب المغربي بقيادة بطل التحرير وأبي الأمة المغفور له محمد الخامس وأسرته الشريفة طيلة مرحلة الحماية إلى العودة من المنفى السحيق، ووضع اللبنات الأولى لمغرب حديث مستقل، ينبني على روح الوحدة والتضامن وترسيخ الديمقراطية وخلق مؤسسات لصالح الشعب في جميع ربوع الوطن، مع العمل بشكل مواز لاستكمال الوحدة الترابية للمملكة الشريفة.
فمنذ ذلك الحين، أي مباشرة بعد تحقيق الاستقلال، أكد المغفور له محمد الخامس على ضرورة إثارة مبدأ السيادة المغربية على المناطق الصحراوية، عن طريق مندوب المملكة لدى مجلس الوصاية في هيئة الأمم المتحدة في 26 أكتوبر 1956، وخلال الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له محمد الخامس في 29 فبراير 1958 إلى محاميد الغزلان مذكرا بما قام به جده مولاي الحسن من زيارات للمناطق الجنوبية واستقباله من قبل قبائل الركيبات وثكنة وأولاد دليم وسواها من قبائل الصحراء، ومعبرا عن ذلك بقوله : " من الأماني العزيزة علينا أن نزور هذا الجزء من الصحراء المغربية ونجتمع بساكنيه...، ولنحيي سنة جرى عليها ملوك المغرب من قديم، فقد كان من عاداتهم المألوفة أن يقوموا بزيارة الصحراء بين الحين والحين... وأن أخرهم وصولا إليها جدنا المنعم مولاي الحسن الذي بلغ إليها مرتين، ليؤكد وحدة المغرب وسيادته الشرعية على سائر أطرافه عندما بدأت المطامع الأجنبية تخرج الأعناقها...". ومحيلا إلى الجهود المغربية المبذولة، وداعيا للعمل بجد لاسترجاع ما تبقى من أجزاء البلاد، وخاصة في الأقاليم الجنوبيةالتي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الإسباني، ومصرحا في هذا الصدد : "إننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة...".
فالصحراء المغربية جزء لا يتجزء من البلاد، والمعطيات التاريخية والتي لا تدع مجالا للشك، وبناء على المصادر الغميسة، سواء منها ما هو موجود بالمملكة أم تلك الموجودة ببعض دور الأرشيف الأجنبية، تدل على أن المغرب كان ممتدا إلى أعماق الصحراء الإفريقية إن على المستوى الروحي أو السياسي.
فالوثائق التي أدلى بها المغرب دفاعا عن مغربية صحراءه تؤكد على الروابط الروحية والسياسية التي جمعت بين سكان الأقاليم الجنوبية وسلاطين المغرب؛ الذين دأبوا على القيام بزيارات متوالية، جسدت ذلك الترابط المتين بين العرش والشعب، حيث لم تخل مناسبة دينية أو وطنية إلا وعبر فيها سكان الصحراء المغربية عن تعلقهم الدائم بأهداب العرش العلوي الخالد، وتجديد البيعة والولاء والإخلاص؛ دأبهم ما سارت عليه كل القبائل والمدن عبر مجمل تراب المملكة وخلال كل الفترات التاريخية.
المغفور له الحسن الثاني واستكمال الوحدة الترابية للمملكة:
لقد أولى المغفور له الحسن الثاني أهمية كبيرة لاستكمال الوحدة الترابية للمملكة، منذ أن كان وليا للعهد، حيث قام بزيارات عديدة إلى الصحراء خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي، والتقى بالعديد من وفود القبائل الجنوبية، التي أعلنت ارتباطها وتعلقها بالعرش العلوي الشريف.
ومنذ توليته عرش المغرب، واستنادا للمعطيات التاريخية التي لا تخفى عن أي أحد؛ واصل المغفور له الحسن الثاني جهوده السامية لاستكمال الوحدة الترابية ومذكرا في كل وقت وحين بمغربية الصحراء، ونجد صلب ذلك في مضمون الأمر اليومي بمناسبة الذكرى الخامسة لتأسيس القوات المسلحة الملكية، حيث قال فيه : "إنه لمن حسن الصدف أن يقع الاحتفال بالذكرى الخامسة لإحياء القوات المسلحة الملكية في مكناس، العاصمة التاريخية التي أسس فيها جدنا الأكبر إسماعيل، في الماضي أعظم جيش نظامي ثبت به في البلاد دعائم الأمن والهناء، ووطد أركان الوحدة الترابية للوطن المغربي، من سواحل البحر إلى أقصى التخوم الجنوبية لموريطانيا".
إن العناية التي كان المغفور له الحسن الثاني يوليها لسكان الأقاليم الجنوبية، خصوصا خلال الكوارث الطبيعية، تأكدت بتعليماته السامية للقوات المسلحة الملكية للتخفيف من معاناة سكان تلك المناطق حيث: " قامت القوات المسلحة الملكية أيضا بإغاثة وإسعاف السكان في فترات الفيضانات...، فأنقذت عددا هاما من الأرواح وقدمت مساعدتها المادية والمعنوية للمصابين، ولا ننسى في هذا المقام حسن صنيع الأطباء العسكريين لنشيد بما يقدمون مساعدة للسكان المحرومين... في النواحي الصحراوية والمتاخمة للصحراء ". ( 14 مايو 1966)
واستكمالا للجهود المبذولة لتحقيق الوحدة الترابية، عمد المغرب في يونيو 1966 إلى مطالبة لجنة تصفية الاستعمار التابعة لهيئة الأمم المتحدة، باسترجاع الأراضي المغربية من يد إسبانيا، والتي توجت بعودة منطقة سيدي إيفني في 30 مارس 1969، وضمها إلى حظيرة الوطن، بمقتضى معاهدة فاس المبرمة في 4 يناير 1969.
ولم تكل جهود المغرب المطالبة باسترجاع كل ما تبقى من الأراضي المغربية المغتصبة، إذ وافقت هيئة الأمم المتحدة في 13 دجنبر 1974، على طلب المملكة المغربية، بإحالة مشكل الصحراء على أنظار محكمة العدل الدولية بلاهاي، وتمسك المغرب بمطالبه المعززة بالوثائق التأكيدية لمغربية الصحراء، فكان يوم 16 أكتوبر 1975، تاريخا حاسما من المنتظم الدولي الذي أقر بتبعية الصحراء للمغرب، وأكد على روابط البيعة التي كانت قائمة بين سكان الصحراء وسلاطين وملوك الدولة العلوية الشريفة.
فكان حدث المسيرة السلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية وما حمله من دلالات، تنم عن فكر سياسي متميز طبع شخصية ملهمها وأبانت عن فكر وحدوي وعن سياسة محنكة في إدارة الدولة، وعن ثقة عظيمة في المغاربة الذين استجابوا عن طواعية للنداء الملكي السامي، وتفهم طبيعي لأهداف المسيرة الخضراء وتوجهات المغفور له الحسن الثاني، خصوصا في مرحلة حاسمة كان العالم يمر فيها بأزمات وانقسامات تتجاذب فيه الأطراف بين معسكرين كبيرين.
إن القيام بمبادرة سلمية ضخمة كهذه، والتي تعتبر من أكبر الملاحم البطولية في تاريخ الإنسانية، كانت تستند بالطبع على مشروعية تستمد أصولها وجذورها من معطيات تاريخية حقيقية، ومن رغبة ملحة من سكان القبائل الجنوبية بربطهم بوطنهم، واعتماد الطرق الدبلوماسية والسلمية لتحقيق هذا الهدف الأسمى المنشود، دون اعتماد القوة العسكرية التي كانت متاحة للمغرب آنذاك لما كانت تتمتع به القوات المسلحة الملكية من تطور وتكوين علمي في كل المستويات وفي جميع المكونات.
لكن التساؤل المطروح كيف ساهمت القوات المسلحة الملكية في إنجاح المسيرة الخضراء؟
إن قراءة متأنية لمجمل الخطب الملكية التي ألقاها المغفور له الحسن الثاني بخصوص مساهمة أفراد الجيش المغربي في تحقيق الوحدة الترابية والمساهمة في المحافظة عليها؛ تكشف عن الدور الفعال الذي قامت به القوات المسلحة الملكية منذ الاستعدادات الأولية السرية إلى إعلان انطلاقة المسيرة الخضراء، حيث كانت طي الكتمان إلا في علم ثلاث ضباط سامين من القوات المسلحة الملكية وهم : الكولونيل عبد العزيز بناني والكولونيل محمد أشهبار والكولونيل محمد الزياتي، الذين كلفهم المغفور له الحسن الثاني بإنجاز ملف متكامل يتضمن كافة المقترحات، كما يقف عند الإمكانيات الضرورية واللوجيستية التي تضمن نجاح المسيرة.
وفي خطاب 16 أكتوبر لسنة 1975، دعا المغفور له الحسن الثاني المواطنين المغاربة للمشاركة في المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية بالطرق الحضارية السلمية، وقد استقبل الشعب المغربي الإعلان الملكي بحماس منقطع النظير وغصت العمالات بحشود الجماهير للتسجيل في اللوائح المخصصة للمشاركين في هذا الحدث التاريخي. وقد أوكلت للقوات المسلحة الملكية مهمات متعددة منها ما هو مرتبط بنزع الألغام وتوفير الأمن للمواطنين، ومنها ما هو مرتبط بتأطير المسيرة وتوزيع التموين الضروري على المتطوعين الذين بلغ عددهم 350.000 مواطن مغربي ومتطوعون من بلدان شقيقة وصديقة، حيث تم تكليف ضابط سامي يساعده ضابط على رأس 2500 متطوع إلى جانبهم قائد وثلاثة مساعدين وطبيب وبعض العلماء الذين كانوا يلقون بعض الدروس الدينية، وفرق من الدرك الملكي لتنظيم السير وفرق من الشرطة للسهر على أمن المتطوعين في المخيمات. ووضع وسائل وآليات منها : 8000 شاحنة و200 سيارة إسعاف، طائرات س.130 التابعة للقوات المسلحة الملكية، وصهاريج متنقلة وثابتة محملة بأكثر من 23.000 طن من المياه و2500 طن من الوقود. وعليه يتضح الدور الجلي للقوات المسلحة الملكية في إنجاح المسيرة الخضراء.
لتبقى التساؤلات المطروحة، تتمحور حول ما تم إنجازه بعد عودة المتطوعين إلى مدنهم وقراهم بأمر ملكي سامي وعن الأدوار التي قامت بها القوات المسلحة الملكية في المحافظة على الأمن والاستقرار بربوع الصحراء فضلا عن طبيعة الخطوات التي تم بها الحفاظ على المكتسبات الوطنية وترسيخ مبدأ الوحدة والدفاع عن المقدسات العليا للبلاد.
مباشرة بعد عودة المتطوعين إلى مدنهم وأقاليمهم، بأمرمن المغفور له الحسن الثاني، هبت القوات المسلحة الملكية لتتخذ مواقعها في الخطوط الأمامية للدفاع عن الصحراء المغربية والذود عن حوزة الوطن، متسلحة بإيمان قوي ومبادئ وقيم المسيرة الخضراء.
فالمتتبع لمختلف الخطب الملكية للمغفور له الحسن الثاني يستشف وبكل فخر واعتزاز ما قامت به القوات المسلحة الملكية بجميع مكوناتها طيلة عقود من الزمن في الدود عن حمى الوطن وبدل النفس والنفيس للمحافظة على أمنه واستقراره ورد كل محاولة للنيل من ترابه، ويبدو ذلك منذ الأمر اليومي الذي وجهه المغفور له الحسن الثاني للقوات المسلحة الملكية في الذكرى العشرين لتأسيسها حيث نوه بالدور الذي قامت به عناصر الجيش المغربي وأشاد به قائلا : " إن إسهامكم الفعال في نجاح المسيرة الخضراء وإصراركم على صيانة أراضينا المسترجعة وحماية ترابنا الوطني، لدليلان ساطعان على ما لكم من إيمان راسخ وشعور قوي بعدالة ومشروعية قضيتنا الوطنية".
ولم تفت المغفور له الحسن الثاني، في كل مناسبة، فرصة إلا وأشاد بما قامت بها القوات المسلحة الملكية من تضحيات جسام وفق فلسفة سامية عنوانها: " وطن حر- بلد آمن - عيش كريم"، ويستشف ذلك خلال مناسبة تدشين سد وادي المخازن، حيث ذكر بما لحدث معركة وادي المخازن والمسيرة الخضراء من أهمية في تاريخ المغرب بقوله : "ان استحضار ما تم بالأمس من تشديد لإنجاز ضخم في تلك البقعة الحافلة بذكرى فاخرة ليستصحب اعتزازنا بالملحمة المجيدة العظمى المتجلية في مسيرتنا الخضراء التي أسهمت قواتنا المسلحة الملكية الإسهام الجوهري الرادع في الإفضاء بها إلى متألق النجاح. وهذان الحدثان، معركة وادي المخازن، والمسيرة الخضراء، كغيرهما من روائع الأحداث، يعبران اصدق تعبير عن إرادة الأمة وإيمانها بقيمها المقدسة و مشروعية قضاياه، وأنهما ليشهدان إلى هذا بما لبلدنا من قدرة على التعبئة كلما تهدده خطر من الأخطار ". ( 14 ماي 1979)
وإن إيمان المغفور له الحسن الثاني بعدالة القضية المغربية الأولى، المرتبطة بالوفاء للوطن والمحافظة على كل حبة رمل وتراب من المملكة، يقترن بدعاء وبنبراس يستضيء به كل مغربي ويجعله نصب عينيه وهو قسم المسيرة الخضراء الذي وضعة المغفور له والتزم به الشعب المغربي كالتزامه بالشعار الخالد (الله – الوطن – الملك). فكان نص القسم مفعما بالروح الوطنية : "أقسم بالله العظيم أن أبقى وفيا لروح المسيرة الخضراء، مكافحا عن وحدة وطني من البوغاز إلى الصحراء. أقسم بالله العظيم أن القن هذا القسم أسرتي وعترتي في سري وعلانيتي والله سبحانه هو الرقيب على طويتي وصدق نيتي". وإيمان صادق بالوفاء للوطن وترسيخا لمبدأ وحدته واستمراريته.
ويأتي التأكيد كذلك في الدعاء الصالح الذي كان يختتم به المغفور له الحسن الثاني جميع خطبه : "كما نسأل الله أن يعينكم في رفع مشعل الفضيلة والوطنية عاليا، والتمسك الراسخ القوي بالعروة الوثقى التي يستدام بها الوفاء لروح المسيرة الخضراء و الكفاح عن وحدة الوطن والمضاء في تلقين الأجيال الصاعدة قسم المسيرة، وإليه سبحانه الابتهال أن يبقيكم باستمرار واتصال أوفياء مخلصين لشعاركم الخالد: » الله ــ الوطن ــ الملك ". أو كما يبدو من خلال النص التالي : "نسأل الله العلي القدير أن يسدد خطاكم على محجة الخير ويبارك أعمالكم ويعينكم على البقاء أوفياء لقسم المسيرة الخضراء وروحها، مخلصين لشعاركم الخالد: "الله -الوطن-الملك". (14 مايو 1980)
إن المساهمة الفعالة للقوات المسلحة الملكية في المسيرة الخضراء قبل وعند انطلاقتها وبعد رجوع المتطوعين إلى ديارهم سالمين غانمين، لم تكن غائبة في الخطب التي وجهها المغفور له الحسن الثاني في كل سادس من شهر نونبر من كل سنة، حيث كان يشيد بتصدي القوات المسلحة الملكية لكل محاولة يائسة لأعداء الوحدة المغربية، خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي وفي الثمانينيات، حيث عملت القوات المسلحة الملكية على إحباط العديد من المحاولات التي كانت تستهدف النيل من مشروعية الوحدة الوطنية والترابية، متسلحين بإيمان قوي وإرادة لا مثيل لها في الدود عن المقدسات والمثل العليا فكانت محط إعجاب من قبل المغاربة ومن قبل موحد البلاد المغفور له الحسن الثاني الذي كان يثني على دورها في ردع محاولات الخصوم في المناطق الجنوبية حيث جاء في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة للمسيرة الخضراء : " جاءني خبر اليوم أن تسربا مهما جدا، أراد أن يفتك بقرية بوكراع، وهجوم عنيف واجهته القوات المسلحة الملكية، ولكن الله سبحانه وتعالى، الذي أراد أن يجعل من هذا اليوم يوم أمن ويمن وسعادة، أبى سبحانه وتعالى إلا أن يعيد علينا نعمة الفتح ونعمة الانتصار، تلك النعمة التي نحمدها اليوم ونحتفل بها اليوم، فتمكنت قواتنا المسلحة، ولله الحمد، من رد مهم جدا ضد العدو".
كما أشاد المغفور له بالتطور الذي اكتسبته عناصر القوات المسلحة الملكية بالمناطق الجنوبية في مجال التدريب والتأقلم مع المجال الطبيعي في الصحراء، حيث صرح جلالته في نفس المناسبة: "أننا تعلمنا اليوم كيف نكافح في الصحراء، وتدربنا على قتالها وتدربنا على مخاطرها وأصبحنا ولله الحمد نسيطر يوما بعد يوم أكثر فأكثر على الحالة العسكرية، ولن تمضي إن شاء الله بضعة أشهر حتى يمكن للمغرب أن يقول بأن مجملها وفي معظمها أن الصحراء أصبحت ولله الحمد هادئة".
إن حماية حدود المملكة من تسربات أعداء الوطن الموحد، استلزم اللجوء إلى سياسة التحصين التي دأب سلاطين وملوك المغرب على نهجها عبر مختلف الفترات التاريخية حتى يتمكنوا من توفير الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، لذلك وسيرا على نهجهم السامي، أمر المغفور له الحسن الثاني بإنشاء الجدار الأمني وتجهيزه بتقنيات حساسة للمراقبة والتتبع، حتى يتم ضمان أمن واستقرار المواطنين الأوفياء لمبادئهم وقيمهم العليا وارتباطهم بأرضهم المغربية الحرة، ويبدو ذلك من خلال الأمر اليومي ل 14 مايو 1987، جاء فيه : "لقد استطعتم بفضل ما بذلتموه من جهود جبارة إتمام تشييد الجدار السادس الذي يكفل الأمن التام لصحرائنا ولرعايانا الذين يعيشون في رحابها بكل أمان وطمأنينة، ...والدفاع في جميع الظروف على حوزة ترابنا ووحدتنا الوطنية".
لقد كانت هناك عدة مبادرات من قبل المغفور له الحسن الثاني بدعوة المغرر بهم للرجوع إلى أرض الوطن الأب، وفق فلسفة راقية ومتسامحة مفادها أن : "الوطن غفور رحيم"، أو من خلال الخطب التي ألقيت بمناسبة المسيرة الخضراء بحث هؤلاء على العودة بقوله طيب الله ثراه : "أتوجه للمتمردين والضالين والمضلين لأقول لهم : " إن باب الرجوع لازال مفتوحا، إن باب التوبة لازال مفتوحا، إن فرصة الالتحاق بالوطن وبحظيرة المواطنين –هذه الفرصة- لازالت سانحة..."
إن الإيمان الأكيد بعدالة القضية الوطنية ومشروعيتها، لا مساومة عليها، لأنها كانت وما زالت متأصلة في الوجدان والفكر المغربي وأن المغفور له الحسن الثاني كان حاسما في ذلك لأنه كان متيقنا منها ومتيقنا ممن سيخلفه ومن المغاربة بأنهم لن يتخلوا قيد أنملة عن وطنهم ووطنيتهم. ونجد في مضمون الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة تخليد الذكرى الثامنة والعشرين للمسيرة الخضراء تأكيد لتلك المبادئ السامية ذلك بقوله : "إن المغرب، الذي يخلد، هذه السنة، الذكرى الخمسينية لثورة الملك والشعب، من أجل استرجاع الاستقلال والحرية، في التحام وثيق بين الأمة وملكها، الموءتمن على سيادتها ووحدتها الوطنية والترابية، لن يقبل بأي حل مطروح لا يستجيب لحقوقه المشروعة، عاقدين العزم على مواصلة قيادة مسيراته المظفرة على درب الوحدة والتقدم والديمقراطية". أو خلال الزيارات التي قام بها جلالته إلى المناطق الجنوبية، حيث ما فتئ يؤكد على السير على النهج القويم الذي سار عليه المغفور له محمد الخامس محرر البلاد والحسن الثاني طيب الله ثراه، باني المغرب الحديث، وموحد البلاد، إذ أعلن جلالته في مارس 2002: "إن حفيد جلالة الملك المحرر محمد الخامس،ووارث سره جلالة الملك الموحد الحسن الثاني، قدس الله روحيهما، والمؤتمن دستوريا على وحدة المغرب ليعلن باسمه وباسم جميع المواطنين أن المغرب لن يتنازل عن شبر واحد من تراب صحراءه، غير القابل للتصرف أو التقسيم".
فحلول ذكرى ملحمة عظيمة، طبعت تاريخ المغرب، يستوجب بكل تأكيد الوقوف عند شخصية ملهمها المغفور له الحسن الثاني، وعند فكره الوحدوي، الذي استلهمه من فلسفة متأصلة في فكر سلاطين وملوك المغرب العظام الذين بدلوا الغالي والنفيس، ليعيش الوطن والمواطن كريما، مدافعا عند الضرورة عن ترابه ومجاله الجوي والبحري؛ وما كان ذلك ليتحقق لولا الإرادة الملكية السامية والثقة الكاملة في القوات المسلحة الملكية، التي تعد فعلا رمزا أساسيا من رموز السيادة ومفخرة من المفاخر التي يعتز بها المغاربة جميعا لتشبثها بالثوابت والمقدسات العليا للبلاد، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
إن هذه المناسبة، فرصة للتضرع إلى الباري عز وجل أن ينزل شآبيب رحمته على محرر البلاد المغفور له محمد الخامس، وعلى باني المغرب الحديث وموحد الوطن المغفور له الحسن الثاني، وأن يقبل الله عز وجل في جنانه، شهداء القوات المسلحة الملكية في الصحراء المغربية، الذين قدموا دماءهم الزكية ليبق المغرب حرا وموحدا ومستقلا آملين أن يجمع الله عز وجل شمل كل المغاربة الصحراويين بوطنهم الحنون وأن تتوحد مسيرتهم مع باقي إخوانهم لبناء مغرب متماسك، قوي أمام التحديات التي تنتظره.
إن تخليد ذكرى استقلال المغرب وذكرى ملحمة المسيرة الخضراء، ليعد مناسبة كذلك للتأكيد على ضرورة مواصلة التعبئة الشاملة على جميع المستويات من أجل بناء صرح المغرب القوي الذي ينعم بالرخاء والازدهار، وكذا تحسيس الأجيال الصاعدة بقيم التضامن وحب الوطن، واستخلاص الدروس والعبر من ملحمتي الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية والسير قدما نحو تحقيق الأهداف السامية التي خطها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ضامن وحدة البلاد واستمراريتها، وقائد مسيرتها الحضارية.
محمد أمين


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

عدد المتصفحين