منتديات كل العرب

lundi 4 avril 2011

جوانب من التنظيم العسكري على عهد السلطان مولاي إسماعيل

جوانب من التنظيم العسكري على عهد السلطان مولاي إسماعيل







قيل قديما أن الشخصية العسكرية للقائد لا يمكنها أن تتبلور وتتطور إلا باكتساب الخبرة في مجال سياسة الحروب وتدبيرها، وأن التحكم في مختلف جوانب وترتيبات الحياة العسكرية تستوجب على القيادة الميدانية التشبع بعقيدة عسكرية متينة تتخذ من التضحية وروح الانتماء والتشبث بالثوابت منهجا وحيدا وواحد للوصول إلى مرتبة تخول القائد العسكري مصداقية تكوين جيش قوي ومتماسك على المستوى النظري والتطبيقي، وبالتالي ضمان أمن واستقرار بلده.
وعليه فقد ترسخ في المنظور الثقافي والسياسي المغربي على مر العصور - وعلى وجه الخصوص منذ تأسيس الدولة المغربية - فكر محوري مفاده أن السلطان الأعظم؛ التي تبقى شخصيته في الذاكرة؛ هو ذلك القائد العسكري المحنك، الذي يعمل بجد لإرساء ودعم هيبة الدولة، والدفاع عن خصوصياتها واستقلاليتها، وهي معطيات لا تتوفر إلا في شخصيات جعلت نصب عينيها الذود عن المبادئ السامية التي أسست لوجود هذا البلد المستقل، وقف منذ القدم أمام الأطماع الأجنبية ووضع اللبنات الأولى لترسيخ فكر عسكري مغربي متميز.
إن الحديث عن شخصية عسكرية مغربية ارتبط اسمها بإنشاء أول جيش مغربي نظامي ومحترف، خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر والعقود الثلاث الأولى من القرن الثامن عشر، يدفع الباحث في المجال العسكري إلى ضرورة استحضار الظروف العامة التي سبقت ومهدت الطريق نحو الرغبة الأكيدة التي انتابت السلطان مولاي إسماعيل ودفعته نحو التفكير بجدية لتأسيس جيش قوي يعيد للدولة هيبتها ويضمن استقرار البلاد والوقوف أمام كل خطر يهدد سلامتها وأمنها، وبالتالي تكرار محاولات استرجاع الثغور المغربية المحتلة على الواجهة المتوسطية والأطلسية.
* الظروف العامة قبل تولية السلطان مولاي إسماعيل
تمكن الشرفاء العلويون من توحيد المغرب بقيادة مولاي الرشيد (1666-1672م) بعد القضاء على مجموعة من المشاكل التي كانت تعرفها البلاد آنذاك، خصوصا الصراع ما بين الإمارات المستقلة، فقضى على معظمها وتمكن من توحيد المغرب حيث : " تمهدت له البلاد بعد محاربة طويلة ومقارعة فظيعة. وبعد أن قاسى مع المغرب والثوار من الحروب ما هو أدهى وأمر". (اليفراني، نزهة الحادي، ص. 304. ابن زيدان، المنزع الطيف، ص. 183).
تشكل جيش مولاي الرشيد من جيش منطقة الريف وأحوازها (طنجة) وجيش اشراكة المكون من عدة قبائل شرقية ومن عرب أنكاد ومن مديونة وهوارة وسوس وعرب شجع وبني عامر، إضافة إلى بعض الأسرى المسيحيين الذين تم توظيفهم في المدفعية؛ فبلغ مجموع عدده حوالي 8000 من الفرسان و32.000 من المشاة. إلا أن الوفاة المفاجئة لمولاي الرشيد، دفعت خلفه السلطان مولاي إسماعيل إلى دعم الجيش المغربي التقليدي بخلق جيش نظامي، وإبقائه مستقلا عن النفوذ القبلي، وجعله متفوقا من الناحية التكوين والتسليح بل إخضاعه لتكوين نظري جمع ما بين الولاء للسلطان والالتزام بالتعاليم الإسلامية والتشبث بقيمها. فما هي مكونات الجيش الإسماعيلي؟ وما هي الخصائص التنظيمية العسكرية على عهد السلطان مولاي إسماعيل؟ وكيف تمكن هذا السلطان الكبير بتلك التشكيلة الجديدة من الجيش من توحيد البلاد واسترجاع جل الثغور المحتلة؟ وكيف تمكن بسياسته التحصينية من ضبط الأمن والاستقرار بربوع المغرب؟
تجمع مختلف المصادر التاريخية التي عاصرت السلطان مولاي إسماعيل، على كون شخصية هذا السلطان كانت شخصية عسكرية بامتياز، ويعود ذلك إلى التكوين الذي خضع له والتجربة القيادية التي كان يتمتع بها، والعقيدة العسكرية المغربية الأصيلة التي كان يؤمن بها. مما أعطى لمرحلة حكمه استثناء في تاريخ المغرب الحديث، ووضع البلاد ضمن الدول المهابة الجانب بالبحر الأبيض المتوسط في وقت عرفت فيه الدول الأوربية نهضة سياسية واقتصادية وعسكرية مهمة.
لم يكن المغرب ليتبوأ تلك المكانة وأن يسترجع تلك الهيبة التي أسس لها الأمراء والسلاطين المغاربة من ذي قبل لولا التنظيم العسكري المحكم والتكوين النظري المركز، الذي اعتمده السلطان مولاي إسماعيل، حيث تمكن من تكوين أول جيش منظم ومحترف في تاريخ المغرب، استطاع به القضاء على الثورات الداخلية وإخضاع المتمردين، خصوصا عندما كان خليفة لأخيه على مدينة فاس، وقصد إقليم سوس لتمهيده سنة 1670م، كما تمكن في العام 1671 من القضاء على ثورة أحمد ابن محرز بناحية مراكش والخضر الغيلان بناحية الهبط وإخوته بجبل ساغرو وابنه بتادلة، وعلى من تبقى من الدلائيين؛ إذ : " إنه أقام في تمهيد المغرب وحروب الثوار والخوارج على الدولة أربعا وعشرين سنة لم يقم بها في داره سنة واحدة". (الزياني، الترجمان، ص. 25). وقد وصل نفوذه إلى تخوم السودان وحدود تلمسان وهو ما يشير إليه اليفرني في النزهة حيث قال : " ... وانتشرت دولته [السلطان مولاي إسماعيل] في عماير السودان ... وامتدت مملكته من جهة الشرق إلى نواحي تلمسان".
* الجيش المغربي على عهد السلطان مولاي إسماعيل
1- الجيش التقليدي :
استفاد السلطان مولاي إسماعيل من التجربة القيادية التي تمتع بها عندما قضى زهاء سبعة سنوات واليا لأخيه على مدينة مكناس، واحتك عن قرب بأبرز القيادات العسكرية المتمردة، التي كانت تقود القبائل ضد السلطة المركزية، مما أكسبه خبرة كبيرة اطلاعه كذلك على ما يجري في الدول المجاورة، خصوصا بأتراك الجزائر ونموذج الانكشارية، ومحاولته إيجاد بديل للجيش المغربي التقليدي المرتبط في غالب الأحيان بالقبيلة والذي شكل قوته العسكرية عند في بداية حكمه، هذا الجيش التقليدي ارتكز على أربعة عناصر وهي :
قبائل الجيش : عرف هذا النوع من العسكر في تاريخ المغرب، خصوصا خلال المرحلة السعدية والعلوية، حيث تقطع بعض الأراضي للقبائل مقابل الخدمة العسكرية أو تجييش عدد من الفرسان يكونون رهن إشارة الدولة في أي وقت، وقد اعتمد العلويون نفس السياسة التي كانت لدى الدولة السعدية، حيث تم إعفاء تلك القبائل من الكلف والضرائب ما عدا الضرائب الشرعية ( الزكاة والأعشار)، وتمتيعها ببعض الامتيازات مقابل خدمتها العسكرية، وقد عمل السلطان مولاي إسماعيل على تطوير هذه التركيبة وغير مواطنها حسب حاجيات الدولة ومتطلباتها.
جيش الأوداية : جمع ودي، وهي قبيلة تنحدر من عرب معقل، كانت تقطن جنوب المغرب استقدمها السلطان مولاي إسماعيل خلال دخوله الثاني لمدينة مراكش، وقد قسمها إلى قسمين، الأول تمركز بمدينة فاس، بقيادة أبو عبد الله بن عطية، في حين ترك الجزء الثاني بمكناس، بعد أن أسند مهمة قيادته لأبي الحسن علي المعروف بأبي الشفرة. وكان القائدان المكلفان بجيش الاوداية يتبدلان القيادة بينهما في بداية تشكيل هذا الجيش إلا أن تم التخلي عن مبدأ التناوب فاستقرت قيادة ابن عطية بمكناس في حين استقر ابن الشفرة بمدينة فاس.
وقد قسم السلطان مولاي إسماعيل جيش الاوداية إلى عدة مجموعات كان أبرزها : رحى أهل سوس، وقبائل المغافرة، وقبائل أهل الريف، وقبائل آيت يمور...
* رحى أهل سوس
تشكلت هذه الفئة من الجيش الإسماعيلي من قبائل الشبانات وزرارة وأولاد جرار وأولاد مطاع، وكانت في مجملها تنتمي إلى عرب بني، وجعل على رأسهم القائد العياشي بن الزريفي الزراري. وقد ثم نقلهم من قبل السلطان مولاي إسماعيل إلى مدينة وجدة وإلحاقهم بالمغافرة والاوداية، ومكونا بهم جيشا ضخما.
* رحى المغافرة
تعود أصول قبيلة المغافرة إلى عرب معقل التي كانت تستوطن الواحات الصحراوية، وهم من أقرباء السلطان مولاي إسماعيل، وكانوا أصهارا له، حيث تزوج بخناثة بنت الشيخ بكار بن عبد الله المغافري، وقد انتقلوا إلى شمال المغرب بعد الحملة التي قام بها في أقصى الجنوب ووصل إلى شنكيط وتخوم السودان عام 1678، على كذلكم ضمن جيش الودايا بعد أن تصاهر مولاي إسماعيل مع هذه القبيلة عن طريق الهدية التي قدمها الشيخ بن علي بن عبد الله المغافري والتي تتمثل في تقديم ابنته"خناثى"التي أنجبت للسلطان ولده مولاي عبد الله.
* رحى أهل الريف
تمركز هذا القسم من الجيش بالمنطقة الشمالية، وكان يكتسي أهمية خاصة لدى السلطان، نظرا لوجوده في منطقة مهمة ومواجهة للأطماع الأوربية.
إضافة إلى مجموعة آيت يمور الذين أنزلهم السلطان مولاي إسماعيل بقلعة تغالين في وسط قبائل آيت أومالو، وجيش اشراكة الذي أبقاه هذا السلطان بمدبنة فاس وأحوازها، لمراقبة تحركات القبائل الأخرى.
لقد اعتمد السلطان مولاي إسماعيل في تشكيل هذه المؤسسة العسكرية التقليدية على نظام خاص، يستوجب الجاهزية، وسرعة التدخل، بل الأكثر من ذلك تم توطين تلك التركيبة من الجيش المغربي في مناطق حساسة، و"استراتيجية"، كالحدود المغربية التركية بالجهة الشرقية لمراقبة أي تحرك محتمل للقوات التركية، وداخل القبائل الجبلية، بالعاصمة مكناس ونواحي مدينة فاس. ووفق تخطيط عسكري محكم، عمد السلطان مولاي إسماعيل إلى تقسيم مختلف وحدات جيشه إلى أقسام يطلق عليها "رحى"، وتتألف من ألف جندي يرأسها "قائد الرحى"، كما تم تقسيم كل رحى إلى خمسة أقسام على كل مائتي رجل قائد، وكل مائة إلى أربعة أقسام يرأس كل واحدة منها مقدم.
وقد احتفظ السلطان مولاي إسماعيل بهذا السلطان وجهزه بمختلف الأسلحة التي كانت متوفرة للدولة آنذاك، وتم تسجيل مختلف عناصره في ديوان الجند، إلا أن هذه الجيوش كانت تعود إلى مواطنها بعد كل عملية عسكرية وعند كل استنفار، حيث يحتفظ السلطان ببعض التشكيلات العسكرية، لتوظيفها داخل الإدارة والحرس السلطاني أو لمراقبة بعض المدن، حيث كانوا يخضعون لولاة تلك المدن. يضاف إلى ذلك اعتماد السلطان مولاي إسماعيل على عناصر فردية، كانت تستخدم في بعض الحركات لضبط الأمن والقضاء على بعض التحركات القبلية، ويمكن الاستشهاد بما قام بها السلطان من تطويع لقبيلة آيت أومالو بفزاز عام 1693، حيث انضم إليه جيش قبيلة آيت يدراسن وقبائل زمور وأهل تذغت وفركلة وغريس، وتجب الإشارة إلى أن مختلف هذه القبائل تم إخضاعها من قبل السلطان مولاي إسماعيل جردها من الأسلحة والخيل في العام 1684، ودفعها إلى الاشتغال بالفلاحة بعد أن قدم لها حوالي عشرين ألفا من الغنم، لكنه يعود فيستعملها لإخماد بعض الفتن وضد القبائل التي تخرج عن سيطرة السلطة المركزية.
لقد تنوع الجيش التقليدي الإسماعيلي، فشمل إلى جانب الفرق التي تم ذكرها سابقا، فرقا أخرى، كانت تهم في كل وقت وحين إلى مساعدة الجيش النظامي في حركاته ونذكر منها : رماة المدن وبالخصوص بالمدن الكبرى كمدينة فاس ومدينة مكناس ومدينتي الرباط وسلا، يضاف إليها قبائل الرحل، وقبائل المجاهدين التي تم اعتمادهم من قبل السلطان مولاي إسماعيل، فكانت قبائل الحفص متخصصة في العمليات الجهادية بعد أن قنن هذا السلطان عملية الجهاد ضد الأجنبي، وأوكلت إليها مهمة تحرير بعض الثغور كالمهدية وطنجة والعرائش وأصيلا، وحصار مدينة سبتة.
كما عمل السلطان مولاي إسماعيل في إطار تنويع مكونات جيشه التقليد على توظيف بعض العلوج الذين كانوا في الجيش السعدي، والأسرى المسيحيين، الذين استخدموا "كتقنيين" في المدفعية وفي صناعة المفرقعات واستخدامهم في حصار بعض المدن المحتلة.
2- جيش البخاري كأول جيش محترف في تاريخ المغرب
اكتست مرحلة حكم السلطان مولاي إسماعيل أهمية كبيرة في تاريخ المغرب الحديث، فقد عمل هذا السلطان على توطيد أسس الدولة المغربية الحديثة، ونجح في التصدي لمختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعرفها البلاد آنذاك، ويعود له الفضل في استرجاع العديد من الثغور المحتلة، وضمان استقرار البلاد وفرض هيبتها، بل تمكن من مجاراة العديد من الشخصيات الأوربية واللعب على أسلوب القوة العسكرية ومتانتها، وعظمة شخصيته المتمرسة ولعبت فيها زوجته للا خناتة بنت بكار أدوارا طلائعية في الاستشارات السياسية والعسكرية التي كانت تقدمتها لهذا السلطان الذائع الصيت بين الأمم؛ بل كان محط أعجاب العديد من الرحالة والكتاب بل حتى الرسامين الذين حجوا للمغرب، واستلهموا قصصا مختلفة التوجهات، حيث تجمع جل المصادر على كون السلطان مولاي إسماعيل؛ الذي قضى أكثر من نصف قرن في الحكم؛ كان شخصية استثنائية في تاريخ المغرب، إذ نقل البلاد من الفوضى والتطاحن إلى فرض الأمن والاستقرار في ربوعها. ويتساءل الباحث عن سر الذي يكمن وراء نجاح تجربته العسكرية، وبالتالي عن التركيبة البشرية التي اعتمدها والأسلوب الجديد الذي نهجه في تكوين جيش مغربي مستقل عن القبيلة وضغوطها وعن العصبية ومطامحها!،
لقد سبقت الإشارة إلى حالة المغرب خلال القرن السابع عشر، والمتصفة إجمالا بالتطاحن والاضطرابات والثورات بين مختلف القوى والقبائل للسيطرة والوصول إلى الحكم بدون سند شرعي أو إجماع مغربي حولها. إلا أن التفاف كل المغاربة حول الأسرة العلوية الشريفة، دفع بسلاطينها إلى اعتماد سياسة الوحدة والتوحيد منهجا لتحقيق الأمن والاستقرار واسترجاع تلك الهيبة التي كان المغرب يتمتع بها منذ القدم، فانصبت جهودهم على تسخير كل الجهود والإمكانيات، السياسية والعسكرية والاقتصادية لمتابعة المشروع العلوي لتوحيد البلاد وضمان الأمن والاستقرار للعباد.
في ظل تلك الأوضاع التي خلفتها التطاحنات والصراعات بين مختلف القوى السياسية التي كانت تتحين الفرص للتمرد، وسيرا على النهج الذي اعتمده مولاي امحمد ومولاي الرشيد، عمل السلطان مولاي إسماعيل؛ بعد أن عقدت له البيعة؛ بعد وفاة أخيه في حادثة الفرس مراكش، على إيجاد حلول ناجعة مستقاة من الفكر العسكري الذي عرف لدى العثمانيين والأوربيين، لكن بطريقة وأسلوب مغربي متميز، وهو ما يحيل إلى كون السلطان مولاي إسماعيل كان مطلعا على ما يروج وما داخل الأوساط العسكرية المعروفة آنذاك والمتنافسة القوية بينها للسيطرة على مناطق أخرى بل كان مدركا عن وعي وإيمان بعقيدته العسكرية وبأن القوة العسكرية المبنية على أساس قبلي لا يمكنها أن تصمد أمام مغريات السلطة وترتيباتها، وهو ما يتضح من خلال رسالة بعث بها إلى محمد بن عبد القادر الفاسي جاء فيها : "... وقد نظرنا في الجند الذي عليه مدار أساس الخلافة وبه قوامها فما وجدنا مدينة فيها عصبية، ولا قبيلة فيها حمية تطوق أعناقها وتتقلد هذا الربق..." (مجلة تطوان، عدد خاص بمولاي إسماعيل، 1962.). لذلك التجأ إلى أسلوب جديد اعتبر الأول في تاريخ المغرب، ولم يسبقه أحد له، وهو تكوين جيش منظم، محترف لا يمت لأي قبيلة بصلة، يكون الولاء فيه مطلقا لقائده الأعلى، ومتمرسا على أساليب الحرب والقتال، وخاضعا لتكوين نظري وتطبيقي مهمين ومجهزا بأحدث الأسلحة من عدة وعتاد. ليصبح بالتالي القوة الضاربة والأداة الفعالة والقوة العتيدة التي سيعتمدها السلطان مولاي إسماعيل لتوطيد الحكم ودعم اقتصاد البلاد وتحرير ثغورها.
* أصول جيش عبيد البخاري
تحيل مختلف المصادر التاريخية التي عايشت المرحلة أن أصل هذه التركيبة العرقية تعود إلى أيام السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، الذي جاء بهم من السودان خلال حملته على تلك المناطق، حيث وظفهم في شتى المجالات وبالخصوص في المجال العسكري، وتم تقييدهم في سجل خاص بهم. إلا أن ضعف السلطة المركزية بعد وفاة المنصور الذهبي وصراع أبنائه جعلهم يتفرقون بين مدن وحواضر المغرب.
وتحيل بعض المصادر على أن اقتراح مشروع توظيف هؤلاء العبيد كجيش لمولاي إسماعيل جاء من قبل عمر بن قاسم المراكشي المعروف باسم "عليليش"، الذي كان والده يشغل منصبا عسكريا مهما في جيش المنصور الذهبي، حيث طرح عليه المشروع قائلا له بعد أن استفسره مولاي إسماعيل في الأمر : " ... نعم، كثير منهم ومن أولادهم وهم متفرقون بمراكش وأحوازها وبقبائل الدير، ولو أمرني مولانا بجمعهم لجمعتهم" (الناصري، الاستقصا،مطبعة دار الكتاب، الدار البيضاء، 1956، ج. 7، ص. 56). فما كان من السلطان إلا أن كلفه بجمع ما تبقى منهم ومطالبة كل القبائل المغربية بتسليمهم وتسجيل أسماءهم في ديوان خاص بهم.
وبالرغم من كون أن مسألة توظيف هؤلاء العبيد كجيش مغربي، وبدون سند قبلي، قد لاقت معارضة من قبل بعض الفقهاء، وطرحت إشكاليات فقهية معارضة وأخرى مؤيدة، إلا أن السلطان مولاي إسماعيل تمكن بقوته من التغلب على هذا المشكل، خصوصا أن رغبته الأكيدة في توحيد البلاد وضمان أمنها واستقرارها ووضع حد للأطماع التركية الأوربية، كانت أقوى من أي عرقلة لمشروعة العسكري الجديد.
* مكونات جيش البخاري
عمل الكاتب أبو حفص عمر بن قاسم المراكشي "عليليش" على جمع ما تبقى من العبيد حيث : "أخذ ... يبحث عنهم بمراكش وينقر عن أنسابهم إلى أن جمع من بها منهم. ثم خرج إلى الدير وجمع من وجد به. ثم سار إلى قبائل الحوز فاستقصى من فيها حتى لم يترك بتلك القبائل كلها أسودا...". (الناصري، الاستقصا، ج.7، ص.56).
وقد تكون هذا الجيش من عناصر بقية أحفاد العبيد المسجلين في دفتر جيش أحمد المنصور السعدي، الذي كان بيد أحد أحفاد قادة جيش السلطان السعدي، وكان ذلك الكناش يضم أسماء العبيد من الذكور والإناث: "فجمع في سنة واحدة منهم حوالي ثلاثة آلاف رأسا منهم المتزوج والأعزب"(الناصري، الاستقصا، ج.7). كما عمد السلطان إلى اعتماد سياسة الشراء والإكراه بأمر القواد في الأقاليم بجمع العبيد بشراء المملوكين وجمع الأحرار بدون مقابل في مناطق الغرب والريف ودكالة وغيرها من مناطق المغرب، كما أضيف إليهم الحراطين المجلوبين من النواحي وينحدرون من العبيد، بعد تقصي أخبارهم والبحث عن جذورهم.
محاور تجميع نواة جيش البخاري
 محور مراكش ونواحيها: بقيادة أبو حفص عمر بن قاسم المراكشي، تمكن من جمع 3000 فردا؛
 محور بلاد الهبط : بقيادة ابا الحسين علي بن عبد الله الريفي، وصل عددهم 8000 فردا ؛
 محور قبائل الغرب وبني حسن: بقيادة عبد الله محمد بن العياشي، عددهم 2000 عنصرا؛
 محور قبائل تامسنا ودكالة، وصل عددهم إلى 4000 عنصرا.
وقد تم تقسيم جيش البخاري إلى ثلاثة أقسام :
• عبيد خالصي الرقبة : وهم العبيد الذين وجدوا في دفتر عليليش، أي بقايا العهد السعدي، واشترتهم الدولة من أصحابهم؛
• العبيد الأحرار : هم الذين حرروا وثم إدماجهم في الجندية إدراجا إجباريا، كما عرفوا بالحر الثاني؛
• العبيد الأحرار خالصي الحرية : وقد اختير هؤلاء للونهم، وكان عدد منهم من الأفارقة الذين يسكنون المغرب، ولا يكونون عصبية داخلية ولا يتميزون بنزعة إقليمية.
الجيش البخاري : التنظيم والتكوين العسكريين للسلطان مولاي إسماعيل
بعد أن نجح السلطان مولاي إسماعيل في جمع عدد كبير من العبيد والإماء وبلغ عددهم في البداية حوالي أربعة عشر ألفا وزعهم على مناطق مهمة خاصة بمشرع الرملة الذي كان يوجد على وادي تفلت في جنوب سيدي يحيى، وكذلك بقصبة إدخسان بالمنطقة الشمالية، وقد ارتفع هذا العدد بسبب السياسة التناسلية التي أمر بها السلطان للرفع من عناصرها؛ كما أضيف لهم عدد من الحراطين الذين جلبهم السلطان مولاي إسماعيل خلال حملته على بلاد شنكيط عام 1678، قدر عددهم بـ 2000 فردا، كما أ، القوافل التجارية التي كانت تذهب إلى السودان عبر التوات وغينيا، وتجلب معها العديد من السود، وقد وصل عدد عبيد البخاري في نهاية العقد الثالث من القرن الثامن عشر إلى مائة وخمسين ألف فرد، وقد خضع أفراد هذا الجيش الفتي إلى تنظيم محكم وتكوين مستمر يمكن أن نشبهه "بأكاديمية" عسكرية متخصصة، في إنتاج العسكر، وتربيتهم تربية عسكرية محضة تأهلهم للانخراط في سلك الجندية بصفة مباشرة.
لقد عمل السلطان مولاي إسماعيل على الوقوف بنفسه على تكوين هذا الجيش الجديد حيث حرص على الاعتناء به وتنظيمه وفق إستراتيجية محكمة وإتباع خطط عسكرية دقيقة، ليتمكن الجندي من الانضباط والتأقلم مع أي وضعية أثناء الحرب والسلم.
ويستشف من النصوص التاريخية أن عملية التكوين تنطلق بالأساس من خلال برنامج "علمي" يبدأ بشروط الانضمام إلى "الأكاديمية الحربية الإسماعيلية" إذا جاز لنا تسميتها بذلك، نظرا لتوفر شروط التكوين المستمر ويخضع كذلك لترتيبات "لوجيستية" تنطلق من اختيار مكان ومدة ومناهج وبرامج التكوين، كما يضع الأسس النظرية التي يجب تلقينها لأولئك الجنود، حتى يحقق السلطان مولاي إسماعيل الأهداف التي رسمها وينجز مشروعه الكبير والمتمثل في توحيد البلاد وضمان أمنها واستقرارها واسترجاع هيبتها بتحرير ثغورها المحتلة.
ففيما يخص مسألة التنظيم، فإن شروط القبول بسلك الجندية؛ يتطلب من المرشح أن لا يقل عمره عن عشر سنوات، وأن يكون أسود اللون، والقبول مفتوح في وجه الذكور والإناث. بينما يخصص مكان التدريب فبالنسبة للذكور تقام في الحوانيت والملاعب أو المعسكرات، وبالنسبة للإناث في القصور السلطانية. وفيما يخص مدة التكوين والتدريب فتمتد ستة سنوات وتم تقسيمها إلى مرحلتين بالنسبة للذكور:
فالمرحلة الأولى تمتد لمدة 3 سنوات، يحصل فيها الفرد عل الثقافة العامة، ومعلومات تعلق بالشؤون الحربية؛ كما أن المرحلة الثانية تمتد بدورها 3 سنوات، وتخص حياة الجندية.
أما مناهج التدريب والتكوين فيمكن أجمالها هي كذلك في مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى من التدريب تقام بحوانيت البناء والنجارة والحدادة، وحرف أخرى وتقسم على الشكل التالي : السنة الأولى : يتم فيها تعلم قيادة الدواب؛ السنة الثانية : التدرب على سوق البغال المحملة بالآجر والزليج والخشب؛ السنة الثالثة : التدرب على الجندية مع القيام بأعمال البناء بصنع ألواح الطابية (القالب أو التابوت). أما المرحلة الثانية فبدورها تمتد 3 سنوات، وتخص حياة الجندية : ففي السنة الرابعة : يتم فيها توزيع الملابس والسلاح على المتدربين قصد التمرين على الفنون الحربية؛ وفي السنة الخامسة : تدفع لهم الخيول بدون سروج لجرها في الميدان والتدرب على ركوبها؛ بينما في السنة السادسة والأخيرة : فيتم التدرب على ركوب الخيل بالسروج وتعلم فنون الحرب من كر وفر، والتدرب على الرماية والطعن من فوق صهوات الخيل.
لقد كان السلطان مولاي إسماعيل؛ حسب روايات المؤرخين؛ يسهر بنفسه على تكوين وتدريب جيش البخاري واستعراض المشاة والفرسان، بعد تكوينهم حتى يتسنى له معرفة قدراتهم القتالية، فيخضعهم لخططه العسكرية التي كانت تعتمد على إستراتيجية الهجوم والمناوشة، والمباغتة بواسطة فرق المشاة والفرسان، الذين كانوا يتقنون الحرب الهجومية بفعالية أكبر، حيث اتسم ذلك الجيش بحاسة حربية دقيقة ومهارة واحترافية في قيادة الهجمات ونصب الكمائن وإتقان مسألة الحصار وفكه، واستعمال مختلف الأسلحة الخفيفة والثقيلة من المجانيق والمهاريس والمدافع والكور واستخدام أحدث تقنيات وآلات الحصار.
لم يقتصر التكوين والتدريب جيش البخاري على المجال التطبيقي فحسب، بل سهر السلطان مولاي إسماعيل على استكمال تكوين أفراد جيشه، تكوينا نظريا يتماشى مع ما يصبو إليه من شحذ وذلك من خلال تربية هؤلاء الجند على تربية نظرية ترتكز على مطالعة كتب التاريخ والقصص منها على وجه الخصوص : سيرة "عنترة بن شداد " و"ألف ليلة وليلة "، لاستلهام العبر من هذه القصص خاصة في ما فيها من خدع حربية وطرق الكر والفر وكيفية الهجوم، إذ : " درج السلطان [السلطان مولاي إسماعيل] على أن يوزع على كبار عسكره سير الأبطال، وأخبار المعارك، ويحضهم على مزاولة مطالعتها، ناظرا في ذلك ... إلى أن يكون عسكره على معرفة متنوعة بمكايد الحروب، والكر والفر، وتدبير نزول الجيوش، والأخذ بالأحوط في ذلك، وكيفية الهجوم، وافتتاح المحاربة، وعقد الصلح، والمهادنة، وترتيب الشروط، وتعلم الإقدام والمخاطرة، وإدراك المراتب والمزايا". (عبد الرحمان الفاسي، منتخبات من نواذر المخطوطات، مطبعة فضالة، المحمدية، 1978، ص. 17). .
وبعد تكوين وتدريب وتخرج مختلف المكونات وتقسيمها إلى فرق ومجموعات، وتحديد مهامها، عمد السلطان مولاي إسماعيل على إضفاء الصبغة الدينية للعلاقة بينه وبين جيشه الجديد، الذي يعتبر السلطان قائده الأعلى، وتلزمه الطاعة التامة له، بعد حفل أداء القسم على خدمة الإسلام والسلطان على صحيح البخاري حيث قال لهم السلطان مولاي إسماعيل : "أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله وكل ما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل، فعاهدوه على ذلك، ثم أمر بالاحتفاظ بتلك النسخة وأمرهم أن يحملوها حال ركوبهم ويقدموها أمام حروبهم." (الاستقصا، ج7، ص. 58).
لقد كان السلطان مولاي إسماعيل بنهجه الجديد، يرمي إلى تأسيس جيش مغربي مستقل عن كل تجاذب سياسي، وقادر على أن يحقق الأهداف المسطرة، ويكون تحت سيطرته وينفذ أوامره ويضمن بالتالي أمن واستقرار البلاد، وقد تمكن بالفعل هذا السلطان من إنجاز مشروعه السياسي والاقتصادي والعسكري، فأصبحت المؤسسة العسكرية بفضل القيادة العامة للسلطان مولاي إسماعيل حاضرة في جميع ربوع المغرب بسبب التوزيع المتقن الذي اعتمده بجعل الجيش في يتدخل في كل ما من شأنه المساس بأمن واستقرار البلاد، وانتشار الحاميات العسكرية في مختلف المحاور والطرق الإستراتيجية والحيوية وبالجبال والسهول والوديان.
وتعتبر الفرق المكونة لجيش عبيد البخاري من نخب الجيش المغربي نظرا للتكوين الصارم الذي خضعت له، والمراقبة المستمرة التي كان يقوم بها السلطان بنفسه لمختلف وحداته، حيث يكون العقاب شديدا خلال تقصير أحد القواد أو المسؤولين العسكريين عن أداء مهامه، لذلك كانت النتيجة الانضباط التام للقانون العسكري الذي سنه. وبذلك استطاع السلطان مولاي إسماعيل أن يمسك بيده جميع السلط العسكرية، وأن يقبض بيد من حديد بهذا الجيش، نازعا منه الوسائل والمقومات التي يمكنه بها العبث باستقرار البلاد، وذات الوقت مانحا إياه كل الوسائل الضرورية ليكون آداة فعالة وقوة عسكرية لا تشكل خطر على الحكم ولا على أمن البلاد. وقد كانت كل فرقة توكل إليها مهمة محددة، فللرماة وظيفتهم وللفرسان دورهم، وكل فرقة يترأسها باشا أو قائد، فمثلا فالفرقة المكونة من خمسة آلاف فارس كان يقودها قائد يحمل اسم "قايد راسو" وقواد الفرق يطلق عليهم "قواد روسهم".
ولاكتساب التجربة والخبرة العسكرية لجأ السلطان مولاي إسماعيل إلى تغيير القيادة العسكرية بين الفينة والأخرى واعتماد مبدأ التناوب بالنسبة لنخبة جيشه النظامي، حيث يقضي جزء منه فترة بالعاصمة مكناس، تم ينتقل إلى منطقة أخرى، ومما زاد في فعالية الجيش، إضافة إلى التكوين والتكوين المستمر، والتكوين النظري، تجهيزه بالعة والعتاد المتطور آنذاك، فيتم تسليح الفرسان بالمكاحل ذات الثفالة والسيوف العريضة والحراب، وهي أسلحة كانت تستورد من أوربا، إضافة إلى الأسلحة التي تصنع محليا، في حين كان المشاة مزودين بالبنادق ذات المدى البعيد والأقواس والرماح القصيرة، كما وظفت المدفعية بشكل كبير أثناء المعارك والمواجهات، والتي كانت تحرم على القبائل امتلاكها، بل الأكثر من ذلك نزع منها جميع وسائل الاستقلال والدفاع من أسلحة وخيل، لتبقى مختلف المقومات العسكرية من اختصاص الجيش المغربي.
لقد أجمعت العديد من المصادر وأكدت بالدلائل التاريخية على الرخاء الذي عرفته البلاد فقد كتب بعضهم : "أن المواصلات في الإمبراطورية المغربية أسهل مما هي عليه في البلدان المتحضرة، فالطرق آمنة والخيل متوفرة تغير في كل المراحل"، كما يحيل المؤرخ المغربي الزياني على أن : "اليهودي والمرأة كانا يسافران من وجدة إلى وادي نون دون أن يسألها أحد عن وجهتهما". وبالمقابل أصبح الاقتصاد المغربي قويا بفعل تدفق الأموال والضرائب التي عرفت انتظاما في أدائها، ويعود الفضل في ذلك إلى سياسة بناء القلاع والتحصينات على طول البلاد، فقد أشار الزياني على أن السلطان شيد وجدد أكثر من ستة وسبعين قلعة وقصبة وحصنا، على امتداد التراب المغربي ووضع بتلك التحصينات حاميات عسكرية مكونة من جيش البخاري من مشاة وفرسان وأفراد أسرتهم من نساء وأطفال، وزود تلك الحاميات بالأسلحة الخفيفة والمدافع الثقيلة.
سن السلطان مولاي إسماعيل نظاما جديدا في مجال الدفاع والتحصينات وتقسيم المغرب إلى ثلاثة مقاطعات عسكرية وهي تافيلالت ومراكش وفاس تميزت بخصائص منها : الخاصية الأمنية المتمثلة في استخدام القلاع لمراقبة القبائل، الخاصية الضبطية المتمثلة في تأمين الطرق التجارية وضمان سلامة المسافرين، والخاصية الجبائية لاستخلاص الضرائب من القبائل. ولضمان استقرار القبائل ومراقبتها؛ خاصة تلك المتمردة منها باستمرار؛ لجأ السلطان إلى بناء مجموعة من القلاع العسكرية والتي بنيت في مجملها أثناء حركاته إلى المناطق الجبلية كمنطقة الأطلس المتوسط أو المنطقة الشرقية.
جانب آخر عمل السلطان مولاي إسماعيل على سنه في مجال التحصينات، هو اهتمامه بتوفير الشروط المادية لضمان سير نظامها، إذ كان من بين الوظائف التي تم تكليف الحامية العسكرية هو تحصيل الضرائب أي تقريب الإدارة الجبائية من القبائل وضبط عملية الجباية المحلية واستغلال جزء من هذه الضرائب لتموين القلاع: وقد أشار الناصري لذلك : "عين [السلطان مولاي إسماعيل] لكل قبيلة تلك البلاد قلعتها التي تدفع بها زكواتها وأعشارها لمؤونة العبيد وعلف خيولهم..."( الناصري، ص. 62).
وفيما يخص التكتيك الحربي الذي لقن للجيش المغربي آنذاك والذي كان السلطان مولاي إسماعيل يشرف بنفسه عليه، فقد اعتمد على خطة الهلال وذلك بتقسيم الجيش إلى صفين تشكل فرقة الفرسان جناحيه، يستقر السلطان وحرسه في وسط الهلال تتقدمه المدفعية، في حين يقوم المشاة والرماة بالمناوشة والمناورة، باستخدام أسلوب المباغتة وتمويه العدو بالخدع واستغلال المجال الجغرافي واتجاه الرياح والغبار وأشعة الشمس، وتنويم الخصم بالقيام بحركات فروسية، وإطلاق أصوات مرعبة والتظاهر بالانكفاء، كلها إستراتجية تنم عن فكر عسكري متميز في مرحلة حساسة من تاريخ المغرب الحديث. وهي إستراتيجية ناجحة بكل المعايير، فقد تمكن هذا السلطان الكبير أن يسترجع مجموعة من الثغور المغربية المحتلة.
- الجيش المغربي وتحرير الثغور المحتلة
لعل أكبر توجه يراود أي قائد عسكري متشبع بالروح "الوطنية" والانتماء إلى بلد عريق، هو رفض أن يكون تحت رحمة أجنبي يحتل أرضه ويعيث في الأرض فساد، كان ذلك هو النهج القويم والفلسفة النيرة التي كان يؤمن بها السلطان مولاي إسماعيل، وهو المطلع على تاريخ المغرب من خلال الكتب التاريخية وسير الأبطال، التي تشبع بشجاعتهم وإقدامهم، والتي تعود الاستمتاع بها، والنهل من تجاربهم. واعتبار أن امتلاك النصارى للثغور المغربية يعتبر خزيا وعارا على جبين الأمة، وتحديا على القائد العسكري أن يركبه لتحريرها من يد المحتل.
وهكذا، لم تمر إلا بضع سنوات وبعد أن تبث ركائز الدولة ورسخ مفهومها من جديد بعد أن أصابها الهون، حتى شرع في ترتيب الصفوف واستجماع القوى لاسترجاع الثغور المغربية المحتلة من قبل الأجنبي ووضع حد لكل متربص بالوحدة الترابية المغربية.
فإنشاء مؤسسة عسكرية منظمة، وإخضاعها لتكوين احترافي علمي، وتوفير الوسائل والمقومات "اللوجيستية"؛ ترتيبات تبقى ذات أهمية قصوى لتنفيذ المشروع الإسماعيلي المتعدد الأبعاد، والمنطلق من توحيد البلاد على المستوى الداخلي من جهة، تم تحصينها واسترجاع ثغورها المحتلة وإعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية على المستوى الخارجي من جهة ثانية، وإذا كان الشرط الأول قد سار في اتجاه صحيح ومتفق عليه مبدئيا، وهو استرجاع هيبة الدولة وتوفير الأمن والاستقرار لساكنتها فإن الشرط الثاني، المتمثل في استعادة المدن المغربية الساحلية، حيث عمد السلطان مولاي إسماعيل إلى استرجاع المعمورة (المهدية) من اسبانيا عام 1681 بعد معارك طاحنة دارت بين القوات الإسبانية والجيش المغربي الذي أوكلت قيادته العسكرية للقائد عمر بن حدو البطوئي، إذ تم سحق تلك القوات وطردها من المدينة بفعل إتقان المغاربة لفن اختراق الحصون، وحسب طواس بيلو الإنجليزي وهو أحد الأسرى الذين أرخوا لتلك المرحلة، فإن المغرب تمكن من الحصول على ثمانية وثمانين مدفعا نحاسيا وخمسة عشر مدفعا حديدا، إضافة إلى أسلحة وآلات حربية متنوعة.
ركز الفكر العسكري الإسماعيلي، بعد النصر الذي حققه في المهدية، منصبا على مواصلة تحرير الثغور المغربية المحتلة، وقد عمل على محاصرة مدينة طنجة التي كانت محتلة من قبل الإنجليز، سنة 1684، حيث تم خروج الإنجليز من المدينة بعد معركة قصيرة حسمها الجيش المغربي بقيادة أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي، وغنم فيها المغرب مدافع نحاسية من صنع إسباني تم إرسالها إلى العاصمة مكناس.
ولاستكمال مسلسل تحرير بقايا الاحتلال الأجنبي للمدن المغربي، واصلت القوات المغربية تعبئتها لطرد الإسبان من مدينة العرائش التي تعتبر موقعا استراتيجيا مهما ورئة حيوية كانت أكثر تحصينا، وهكذا فعمد الجيش المغربي عام 1689، على اقتحامها بعد ثلاثة أشهر من الحصار، بقيادة أبي العباس أحمد بن حدو البطوئي، إذ عمل الجنود المغاربة على حفر الخنادق تحت أسوار الحصون وملئها بالبارود وإشعال النيران فيها، واستعمال آلات الاختراق، والمدافع الثقيلة، والحبال والسلاليم لتسلق الأسوار، فنجحت الخطة العسكرية المغربية وجرى قتال عنيف، انتهت باستسلام القوات الإسبانية الموجودة بالمدينة، في حين تمت محاصرة الفارين منها بعرض البحر وتم اقتيادهم إلى مدينة مكناس، وغنم خلالها المغرب الكثير من العدة والعتاد، وصل عدد المدافع حوالي مائة وثمانين مدفعا منها اثنان وعشرين مدفعا نحاسيا.
وقد تابع الجيش المغربي بأمر من السلطان مولاي إسماعيل تحركاته، نحو المدن المحتلة، حيث أقام حصارا قاسيا على مدينة أصيلا، وصلت مدته إلى سنة، عانت منه القوات الإسبانية الأمرين، ليتم طردهم نهائيا منها في العام 1691، لتنتقل الجيوش المغربية إلى المنطقة الشمالية المطلة على البحر المتوسط حيث تمت محاصرة مدينة سبتة سنة 1694، وأسس على مشارفها معسكرا عرف بـ "معسكر الدار البيضاء"، واستمر ذلك الحصار لمدة أكثر من ثلاثين سنة، كما حاصر مدن مليلية والحسيمة وبادس.
لم تكن فقط الواجهتان المتوسطية والأطلنطية في صلب التفكير العسكري للسلطان مولاي إسماعيل، بل عمل كذلك على الحد من أطماع القوات التركية المرابطة بالجزائر، والتي كانت تهدد بين الفين والآخر التراب المغربي، لذلك هدده بالوصول إلى أقصى منطقة بالمغرب الأقصى مما دفع بقيادتهم إلى دعوته لتجديد الاتفاق الذي أبرم مع مولاي امحمد ومولاي الرشيد.
وعلى الواجهة الجنوبية، فقد أعاد السلطان مولاي إسماعيل، بجيشه الجرار الصحراء الكبرى والسودان إلى الحكم المغربي، حتى أن نفوذ الدولة المغربية كان يمتد آنذاك إلى ما وراء النيجر، وشرقا إلى بسكرة في الجزائر.

شكلت مسألة تأسيس جيش مغربي محترف، استثناء في تاريخ المغرب الحديث، بفضل السياسة العسكرية للسلطان مولاي إسماعيل، مما مكن المغرب من تبوأ مكانة متميزة ضمن الدول القوية، حيث استعادت الدولة هيبتها وانتشر الأمن والاستقرار، وواكب ذلك تحرير جل الشواطئ المغربية وحماية الطرق التجارية الصحراوية، مما انعكس إيجابا على الاقتصاد المغربي، وفسح المجال أمام السلطان مولاي إسماعيل لتحقيق المنجزات العمرانية والمعمارية، فتم تشييد العديد من القصبات والقلاع والأبواب، وتشهد مدينة مكناس على الفن الراقي، والدقة في اختيار الأشكال الهندسية واستعمال الألوان في بناء باب منصور، الذي يشهد على عظمة ذلك السلطان الكبير الذي أنجبته الدولة العلوية الشريفة، و أعطى المثل الحي على "الروح الوطنية" والذود عن مقدسات الدولة وثوابتها.


محمد أمين

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

عدد المتصفحين