مساهمة الجنود المغاربة في الحرب العامية الأولى
تأقلم مع مختلف الظروف المناخية ودفاع عن المبادئ والقضايا الإنسانية الكبرى
محمد أمين
تأقلم مع مختلف الظروف المناخية ودفاع عن المبادئ والقضايا الإنسانية الكبرى
محمد أمين
إذا كانت الإنسانية قد مرت بعهود عرفت خلالها صراعات واحتكاكات بين مختلف الأمم، وتنوعت رقعها الجغرافية، ونتائجها العسكرية والسياسية، فإن القرن التاسع عشر سيمهد، إلى حد ما، الطريق أمام التنافس الأوربي حول اقتسام العالم فيما بين القوى المتنافسة، بعدما وصلت الثورة الصناعية أوجها، وبدأت البورجوازية تبحث عن أسواق خارجية جديدة لتصريف فائض الإنتاج، بالاستعانة برواد الحركة الاستعمارية، وبالمقابل ظلت العديد من الدول والأقاليم ترزح تحت نير التخلف العلمي والاستبداد المطلق الذين وضعا فوارق كبيرة بين مختلف شرائح المجتمع، ترسخه بفعل نشاط التيار التقليدي المستفيد من الجهل المستشري والمدافع عن امتيازاته بكل ما أوتي من قوة.
إن هذه المعطيات ستبرز ذلك التراجع الكبير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والذي سيؤثر حتما على الأوضاع السياسية والعسكرية، مما انعكس سلبا على النهضة العلمية التي برزت بعض معالمها، خاصة في العالم العربي- الإسلامي، بعد أن ظهر رواد الحركة الإصلاحية بالمشرق والمغرب، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
لكن بالرغم من الوعي الذي ساد في تلك المرحلة، فإن ذلك لم يمنع من استعمار العديد من البلدان العربية الإسلامية، بعد تفكك أجزاء كبيرة من الإمبراطورية العثمانية، التي أصبحت تنعت بالرجل "المريض"؛ بل اقتطاع أجزاء كانت ضمن مناطق نفوذها، كما هو الحال للجارة الجزائر التي تعد من أولى الدول العربية الإسلامية التي تعرضت، ومنذ وقت مبكر من القرن التاسع عشر (عام 1830)، إلى الاستعمار الفرنسي.
إن التوجهات الاستعمارية لبعض الدول الأوربية خاصة منها المتصارعة بالأبيض المتوسط، لم تكن غائبة عن ساحة شمال إفريقيا، وكما تمت الإشارة لذلك، فالتأخر الحاصل في بلدان الضفة الجنوبية ولد ذلك الصراع المرير من أجل السيطرة على مجالات إستراتيجية، كان المغرب أحدها، بحيث تعرض هو الآخر إلى التدخل الأجنبي، لكن في وقت متأخر مقارنة مع باقي الدول العربية الإسلامية، وفق توجه استعماري، ركب في البداية على مفهوم الحماية غطاء للتدخل المباشر، بعد بروز مقامة شعبية كبيرة في أوساط المجتمع المغربي، بعد انفراد كل من فرنسا وإسبانيا بمصيره، وفقا للاتفاقيات المبرة فيما بين الدول الاستعمارية.
لكن بالرغم من تلك الاتفاقيات المبرمة بداية القرن العشرين، لم يستطع العالم تجنيب الإنسانية ويلا الحرب، فقد دخل غمارها عام 1914، ولم تنتهي إلا عام 1918، فقدت خلالها البشرية أمواجا من الأرواح، بل سخرت كل الطاقات والموارد خدمة للحسابات الاستعمارية والسياسة التوسعية لمختلف القوى العظمى، بحيث لم تتمكن حتى عصبة الأمم، التي تم إنشاءها من أجل وقف النزاعات، في إيجاد الحلول الناجعة لتجنيب العالم ويلات الحرب. وهنا يجب التساؤل عن مصير بعض البلدان المستعمرة، والتي يشكل المغرب إحداها، وبالتالي عن نتائج تلك المساهمة في المجهود الحربي للمستعمر، خلال الحرب العالمية الأولى.
أسباب الحرب العالمية الأولى
لقد تعددت الأسباب والمسببات التي أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وتأجيج الصراع بين الأحلاف السياسية والعسكرية فبالإضافة إلى التنافس الأوربي المشار إليه أعلاه، فإننا لا ننكر المنافسة على السواق والمواد الأولية، وظهور النزعة القومية، ومشاكل حول بعض المناطق المتنازع عليها، فضلا عن اغتيال فرانسوا فرديناند ولي عهد النمسا، عام 1914، على يد طالب صربي، والذي نجم عنه احتكاك عسكري بين الطرفين وأدى بالتالي إلى اندلاع الحرب العالمية ألأولى، التي مرت عبر مراحل وطالت العديد من الجهات بأوربا، بل انعكست نتائجها على الدول المستعمرة، التي استخدمت مواردها الاقتصادية والبشرية في دعم المجهود الحربي خاصة لدول الحلفاء.
الجنود المغاربة والمساهمة في المجهود الحربي
لقد كان المغرب كغيره من الدول التي ساهمت في المجهود الحربي الفرنسي في الحرب العالمية الأولى، فمنذ مجيء البعثة العسكرية الفرنسية إلى المغرب في العام 1877؛ للقيام بتكوين وتدريب أفراد الجيش المغربي على عهد السلطان مولاي الحسن في إطار سياسته التحديثية؛ تعرف كبار القادة العسكريين الفرنسيين الميدانيين على القدرة الكبيرة للجندي المغربي في التأقلم مع الظروف المناخية والجغرافية، وتميزه بقدراته الحربية العالية عن باقي جنود المستعمرات الفرنسية- سواء في الجزائر أو تونس أو في مستعمرات فرنسية أخرى- حيث اتسم بشجاعته وتأديته الواجب العسكري على أكمل وجه.
هذه المعطيات المسبقة جعلت المسئولين العسكريين الفرنسيين يعملون على خلق فرق عسكرية متخصصة أطلق عليها اسم : "الفرق المغربية المساعدة"(Troupes des Auxiliaries Marocaines)، كان أبرزها : فرق الكوم والصبايحية وفرقة الرماة الأهلية.
لقد تمكنت الحماية بفرنسا بعد فرض الحماية على المغرب في 30 مارس 1912، من السيطرة على مواقع إستراتيجية مهمة بالمغرب، باستخدام جنود المستعمرات خاصة من الجزائر وتونس والسنغال، في إطار ما أسمته بعمليات التهدئة، بل سعت إلى إقحام الجنود المغاربة بالقوة في تلك العمليات، مما أفرز توجها جديدا لدى سلطات الإقامة الفرنسية، ودعت إلى إشراك المغاربة في الحروب الفرنسية، خصوصا بعد تأكدها من الجاهزية القتالية للجنود المغاربة الذين تم تكوينهم تكوينا عسكريا يتلاءم والإستراتيجية العسكرية الفرنسية البعيدة المدى.
الإستراتيجية العسكرية الفرنسية
مباشرة بعد ظهور بوادر الحرب العالمية الأولى بادرت سلطات الحماية الفرنسية إلى تكوين فرق من الجنود المغاربة منظمين داخل فرق لعسكرية بلغ عدد أفرادها 12856 رجلا، مشكلين 5 كتائب من 20 مجموعة مكونة من 14 من الكوم المشاة و14 من الكوم على الخيل ومجموعتين من المدفعية وفرقة من الهندسة، أضيفت إليهم فرقة أخرى من المدفعية وفرقة طبية ومتطوعون ومخازنية؛ حتى وصل العدد إلى حوالي 20000 فردا، تم تدريبهم في مراكز أعدت لهذا الغرض في كل من مدن تازة وخنيفرة ومراكش والصويرة وأكادير وغيرها من المراكز العسكرية المنتشرة بالمنطقة الخاضعة لنفوذها، كل هذه الترتيبات من أجل دعم المجهود الحربي الفرنسي في أوربا وحمايتها من التهديدات التي كانت تتعرض لها من قبل دول المحور بقيادة ألمانيا العدو التاريخي لها.
الاستعدادات العسكرية
بدأت الاستعدادات في شهر رمضان من العام 1332 / يوليوز 1914، حيث أكد المقيم العام الجنرال ليوطي في برقية موجهة إلى حكومته بباريس، ومؤرخة في 27 بوليوز 1914، أن "مصير المغرب سيحدد انطلاقا من اللورين"؛ مستعملا أساليب متعددة لإقناع الحكومة الفرنسية المترددة، ومستعينا بأطره العسكرية لوضع برنامج شامل لتسجيل المغاربة بطرق مختلفة، تارة بالترهيب وأخرى بالترغيب، للمساهمة في الحرب ضد ألمانيا المعتدية حسب التوجه الرسمي الفرنسي.
وفي هذا السياق، قام الجنرال ليوطي بحملة دعائية واسعة بواسطة الصحافة الفرنسية والعربية، واكبها تثبيت لوحات إشهارية في مداخل المدن وبالقرى والأرياف المغربية، واللجوء إلى استخدام العديد من العناصر المحلية للتأثير على السكان المحليين من أجل التسجيل في لوائح التجنيد المعدة سلفا. وقد وجدت تلك العمليات ردود فعل مختلفة لدى المغاربة، تراوحت ما بين الرفض المطلق، وما بين القبول المرغم.
وعلى المستوى العملي قامت سلطات الحماية الفرنسية، وفق سياسة الجنرال ليوطي بتشكيل فوج المشاة المكونة من 5 فرق من الصباحية (Spahis)، يتضمن ضباطا وضباط صف أغلبهم فرنسيين، يتكلمون الدارجة المغربية وقريبين من الجنود، يتمتعون بخبرة طويلة ودراية عميقة بأسلوب المواجهات والمعارك التي دارت بالمغرب، وكانت هذه الفرق تحث قيادة اليوتنان كولونيل ديبرتيوس (Dupertuis).
لم تترك الإقامة العامة الفرنسية فرصة إلا واستغلتها للضغط على السلطان مولاي يوسف من أجل السماح بمشاركة الجنود المغاربة في الحرب إلى جانب القوات الفرنسية، وبالرغم من عدم وجود خلاف أو عداء ظاهر بين المغرب وألمانيا، إلا ليوطي أوجد عدة صيغ للتمويه، أتمرت قطع المغرب لعلاقاته مع ألمانيا وحلفاءها.
وتحفل الجريدة الرسمية بظهائر تؤكد على ذلك منها :
- "ظهير شريف برفع ما تقدم من المصادقة على تولية قناصل الألمان في المغرب"؛
-"ظهير شريف برفع الامتيازات والحمايات الألمانية بالمغرب"؛
- "ظهير شريف برفع ما تقدم من المصادقة على تولية قناصل دولة النمسا في المنطقة الفرنساوية من الإيالة الشريفة" كل تلك الظهائر مؤرخة بـ 5 غشت 1914.
وقد نجحت السلطات العسكرية الفرنسية، في مطلع شهر غشت من العام 1914، من تجميع حوالي 90.000 رجل في مراكز التجنيد الموجودة في الدار البيضاء والرباط ومراكش ومكناس وفاس. وبعد الإجراءات الإدارية تم انتقاء العناصر التي شكلت فرق الجنود المغاربة، حيث تكونت من خمس كتائب أطلق عليها اسم "الرماة الأهلية المغاربة"، تم تجميعهم بمدينة سلا خاصة بقصبة كناوة التي يعود تاريخ إنشاءها إلى السلطان مولاي إسماعيل، ومنها تم نقلهم إلى ميناء القنيطرة (بور ليوطي) ثم إلى مدينة وهران ومنها إلى مدينة بوردو وسات بفرنسا.
نتائج مساهمة الجنود في الحرب العالمية الأولى : معركة لامارن نموذجا
فور وصول الكتائب المغربية إلى الأراضي الفرنسية تم تجميعهم في مخيمات حيث سيتم تجهيزهم وتكوينهم تكوينا عسكريا معمقا وإرسالهم مباشرة إلى الجبهة الحامية الوطيس، حيث زج بهم في حرب بعيدة عن وطنهم.
لقد ساهم الجنود المغاربة، نظرا لقوتهم وقدرتهم وخبرتهم الطويلة في المجال العسكري، في النصر الذي حققه الجنرال جوزيف جاك جوفر (J. J. Joffre) في معركة لامارن الأولى؛ بحيث تم نقلهم في الفاتح من شتنبر 1914، عبر السكك الحديدية إلى منطقة إيبرناي (Epernay)، والتحقوا هناك بفرق الخيالة، بقيادة الجنرال كونو (Conneau)، وأوكلت إليهم مهمة حماية مركز القيادة، وفي هذا السياق يقول أحد المؤرخين المغاربة : "إن الجنود المغاربة شاركوا في جميع المعارك، أكثر ضراوة مثل لامارن، وعاشوا قساوة البرد والحرمان في الخنادق وأبانوا عن شجاعة ناذرة، اعترف بها خصومهم الألمان، كما قتل عدد كبير منهم بسبب وجودهم دائما في الخطوط الأمامية، كما أنهم اكتسبوا تجربة عسكرية بالغة الأهمية أهلتهم لاستعمال الأسلحة المتطورة والتكييف مع النظام العسكري الحديث". (دار النيابة، شتاء 1989).
لقد شكلت الجنود المغاربة الجناح الأيمن للجيش السادس للجنرال جوزيف ماونوري (J.Maunoury)، الذي كان تحت قيادة الجنيرال جوزيف سيمون كالييني (J.S. Gallieni) الحاكم والقائد العسكري للمنطقة العسكرية لباريس ورئيس الجيش السادس، وبمنطقة لورك خلال معركة لامارن في سواسان دوليزن بفيردان، وخلالها قاتل الجنود المغاربة على جميع الجبهات حيث أبدوا خلال المواجهات الفردية شجاعة وبسالة قل نظيرها أمام الجنود الألمان المتأقلمين مع المجال الأوروبي والمجهزين بأحدث الأسلحة، لكن صمود الجنود المغاربة وثباتهم في أرض ليست بأرضهم وقضية ليست بقضيتهم، بل إيمانا بالأسس الحضارية والقيم الإنسانية التي تدعو لنشر ألوية الأمن والاستقرار في كل بقاع المعمور، هذه الصفات المفعمة بالشجاعة، دفعت كبار جنرالات الجيش الألماني يطلقون على المحاربين المغاربة لقب : "خطاطيف الموت"، لكونهم كانوا يقاتلون تحت جنح الظلام ويتمتعون بنظرة ثاقبة قوية خلال الليل، مما كان يخول لهم إمكانية إدارة الحرب والتحكم في مجريات المعركة، كما عرف عليهم براعة استخدام الأسلحة البيضاء خاصة الساطور.
ومن بين الشهادات الواردة في حق المحاربين المغاربة ما جاء في حديث الجنرال ألكسندر فون كلوك (Général Alexander Von Klück) قائد القوات الألمانية الذي اعترف بأن الجندي المغربي : "أفضل محارب في شمال إفريقيا بالرغم من أنه ولد وتربى في بيئة حارة، ولم يؤثر عليه المناخ البارد، حيث أن أعضائه تتأقلم مع جميع أنواع الطقس".
وقد أكدت مختلف التقارير الواردة من الجبهة، أن الجنود المغاربة تمكنوا خلال تلك المعارك من أسر مجموعة كبيرة من الجنود الألمان الذين كانوا قد استولوا على مدينة شودان، فنالوا إعجاب وزير الحرب الفرنسي ميليران.
كما اعترف العديد من القادة العسكريين الفرنسيين بشجاعة وإقدام الجنود المغاربة، حيث أكدوا أن "الرماة المغاربة" لم يتخلفوا أو يتقاعسوا في أخذ أماكنهم في الصفوف الأمامية، ضمن جنود المباغتة، وبرهنوا بذلك عن ميزة بطولية قل مثيلها في الجنود الآخرين.
وخلال المعارك الكبرى التي دارت رحاها بتلك الجبهات فقدت الفرقة المغربية في معركة لورك وحدها في شتنبر 1914، حوالي 19 ضابطا و1150 جنديا.
وفي نصف الثاني من شتنبر إلى غاية نونبر، أبلى الجنود المغاربة البلاء الحسن في جل المعارك التي دارت رحاها بمختلف الجبهات، إذ سيتم إرسالهم في نونبر 1914، إلى الجبهة البلجيكية، بحيث شاركوا في معركة ليزير.
لقد كانت النتائج باهرة على المستوى العسكري، بحيث شكلت معركة لامارن الأولى كغيرها من المعارك التي شارك فيها الجنود المغاربة خلال الأيام الأولى من شهر شتنبر من العام 1914، مرحلة مهمة في تاريخ الحروب التي خاضتها فرنسا، والتي سجلت فيها انتصار باهرا على القوات الألمانية، انتصار كان معطرا بدماء مغربية زكية ساهمت في رسم صورة واضحة لبطولات الجندي المغربي الذي أرسى منذ فجر التاريخ القيم الإنسانية ودافع عنها واستشهد لمبادئها، وحملها إلى مناطق بعيدة، دفاعا عن الشرعية الدولية، ولا زال الجندي المغربي إلى اليوم حاضرا بتجربته الطويلة في مجال خوض الحروب بجميع أشكالها وترتيباتها، من أجل ضمان امن واستقرار العديد من بقاع التوتر، بحيث أعطت تجريدات القوات المسلحة الملكية منذ فجر الاستقلال (1960 بالكونغو) إلى اليوم المثال الحي في حين السلوك والدفاع عن القيم الحضارية التي جبل عليها الجندي المغربي عبر التاريخ والذي سطر أروع الملاحم في الدفاع البلاد، والدود عن ثوابتها ومقدساتها.
محمد أمين
Bibliographie
Pierre LYAUTEY, «lettres du Maroc, 1914-1915 », La Revue des Deux Mondes, 15 avril 1954, p. 583-584-585.
Revue historique de la 1° Armée Française, n° 2 – 1952 et n° 2 – 1972.
Historama, n° 6 et 10, n° 202 août 1968.
Mohammed BEKKRAOUI, Le Maroc et la première guerre mondiale, thèse de doctorat, université Aix En Provence, septembre 1988.
Pascal Le Pautrement, intervention des troupes marocaines Revue Armée Française..
Christian DE BARTILLAT, la Marne, la bataille du Multien, 5-10 septembre 1914, une tragédie en 5 jours, Presses du Village, 1994.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire